الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
224
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة : إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ صالحة لتذييل الاحتمالات المتقدمة ، وهي تعليل لما قبلها . [ 54 ] [ سورة النور ( 24 ) : آية 54 ] قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 54 ) تلقين آخر للرسول - عليه الصلاة والسلام - بما يردّ بهتانهم بقلة الاكتراث بمواعيدهم الكاذبة وأن يقتصروا من الطاعة على طاعة اللّه ورسوله فيما كلفهم دون ما تبرعوا به كذبا ، ويختلف معنى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ بين معاني الأمر بإيجاد الطاعة المفقودة أو إيهام طلب الدوام على الطاعة على حسب زعمهم . وأعيد الأمر بالقول للاهتمام بهذا القول فيقع كلاما مستقلا غير معطوف . وقوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا يجوز أن يكون تفريعا على فعل أَطِيعُوا فيكون فعل تَوَلَّوْا من جملة ما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلّم بأن يقوله لهم ويكون فعلا مضارعا بتاء الخطاب . وأصله : تتولوا بتاءين حذفت منهما تاء الخطاب للتخفيف وهو حذف كثير في الاستعمال . والكلام تبليغ عن اللّه تعالى إليهم ، فيكون ضميرا ف عَلَيْهِ ما حُمِّلَ عائدين إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . ويجوز أن يكون تفريعا على فعل قُلْ أي فإذا قلت ذلك فتولّوا ولم يطيعوا إلخ ، فيكون فعل تَوَلَّوْا ماضيا بتاء واحدة مواجها به النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، أي فإن تولوا ولم يطيعوا فإنما عليك ما حمّلت من التبليغ وعليهم ما حمّلوا من تبعة التكليف . كمعنى قوله تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ في سورة النحل [ 82 ] فيكون في ضمائر فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ التفات . وأصل الكلام : فإنما عليك ما حملت وعليهم ما حمّلوا . والالتفات محسن لا يحتاج إلى نكتة . وبهذين الوجهين تكون الآية مفيدة معنيين : معنى من تعلق خطاب اللّه تعالى بهم وهو تعريض بتهديد ووعيد ، ومعنى من موعظة النبي صلى اللّه عليه وسلّم إيّاهم وموادعة لهم . وهذا كله تبكيت لهم ليعلموا أنهم لا يضرون بتولّيهم إلا أنفسهم . ونظيره قوله في سورة آل عمران [ 23 - 32 ] : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ( هم اليهود ) يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ إلى قوله : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ